قالت صحيفة "تايمز أوف إسرائيل" إن "الخطوط الحمراء السيادية" للدولة المصرية بدأت تتحول إلى اللون الأخضر، لون الدولار الأمريكي، مع تقديم تحالفات دولية عروضًا رسمية لتولي إدارة وتشغيل مطار الغردقة الدولي.
واعتبرت أن هذا لا يُعد مجرد برنامج تجريبي لقطاع الطيران المصري، بل هو بيعٌ يائسٌ للبنية التحتية الوطنية، من شأنه أن يُحدث صدمةً في أروقة البنتاجون والكنيست.
وأضافت: لعقود طويلة، كانت مطارات مصر وموانئها وصناعاتها الاستراتيجية حكرًا على المؤسسة العسكرية، بعيدة المنال وغير مدرجة على قوائمها الرسمية، ولكن مع بداية عام 2026، أجبر الواقع المرير المتمثل في دين خارجي يبلغ 160 مليار دولار (قائد الانقلاب) عبدالفتاح السيسي على القيام بما لا يُصدق: طرح مفاتيح مصر للبيع.
السيطرة على البيانات والبروتوكولات الأمنية
ورأت الصحيفة أن طرح مناقصة مطار الغردقة، البوابة الرئيسة للبحر الأحمر، ليس سوى البداية، فبدعم من مؤسسة التمويل الدولية، تستعد الحكومة المصرية لإسناد إدارة 11 مطارًا رئيسًا، من بينها مطار شرم الشيخ ومطار سفنكس الدولي، إلى جهات خارجية.
وبينما يصر وزير الطيران المدني سامح الحفني على أن "المطارات المصرية أصول سيادية وليست للبيع"، لفت التقرير إلى أن هذا التمييز بات مجرد اختلاف في المصطلحات، فعندما تسيطر جهة أجنبية على "الإدارة التجارية والتشغيلية" لنقطة دخول رئيسة، فإنها تسيطر على البيانات، والبروتوكولات الأمنية، وحتى على البوابة الفعلية للبلاد.
الجغرافيا السياسية للبنية التحتية: من يشتري؟
وفقًا لـ "تايمز أوف إسرائيل"، فإنه "لا يكمن الخطر الحقيقي في عملية الخصخصة نفسها، بل في هوية مقدمي العروض. تشير اتجاهات الاستثمار الحديثة في مصر إلى تحول عن الشركاء الغربيين التقليديين نحو أولئك الذين يقدمون عروضًا نقدية بشروط أقل تقييدًا لحقوق الإنسان".
وتطرقت الصحيفة إلى التقارب بين مصر وتركيا، قائلة: "بعد عقد من العداء، تتسارع وتيرة التقارب بين القاهرة وأنقرة بشكل كبير. وتتصدر الشركات التركية، الراسخة بقوة في قطاعي النسيج والكيماويات المصريين باستثمارات أجنبية مباشرة تتجاوز 3 مليارات دولار، قائمة المتنافسين على مشاريع البنية التحتية هذه".
وأشارت إلى أن الصين خصصت مليارات الدولارات لمنطقة قناة السويس الاقتصادية. ويُعدّ التحكم في المطارات التي تخدم هذه المناطق الخطوة المنطقية التالية في إطار مبادرة "الحزام والطريق" لترسيخ نفوذها في شرق البحر الأبيض المتوسط.
وفي حين إن الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية كانتا بمثابة شريان الحياة التقليدي لمصر، فقد اعتبرت الصحيفة أن تحولهما الأخير من "المساعدة إلى الاستثمار" يعني أنهما يطالبان الآن بالسيطرة التشغيلية على أصول مثل شبه جزيرة رأس الحكمة ومراكز الخدمات اللوجستية الرئيسة.
لماذا ينبغي على الولايات المتحدة وإسرائيل أن تقلقا؟
ورأت أن خصخصة المطارات المصرية تثير القلق في الولايات المتحدة وإسرائيل؛ فبالنسبة لواشنطن، وصفت الأمر بأنه يمثل كابوسًا هائلاً في مجال مكافحة التجسس.
ففي العام الماضي فقط، وقّعت الولايات المتحدة مذكرة تفاهم لتزويد مطار القاهرة الدولي بتقنيات فحص متطورة تضاهي معايير إدارة أمن النقل الأمريكية. وإذا ما آلت إدارة هذه المرافق إلى شركات من الصين أو تركيا، فإن الولايات المتحدة بذلك تدعم فعليًا البنية التحتية الأمنية لمنافسيها العالميين الرئيسين.
وبالنسبة لإسرائيل، اعتبرت الصحيفة أن المخاطر أكثر إلحاحًا، فـ"جيوسياسة البنية التحتية" تعني أن أمن سيناء والبحر الأحمر - اللذين كانا يُداران سابقًا من قبل شريك عسكري يمكن التنبؤ بتصرفاته (وإن كان بارداً) - يُعهد بهما الآن إلى من يدفع أكثر.
وقالت إن مطارًا تديره تركيا في الغردقة أو مركزًا لوجستيًا تسيطر عليه الصين بالقرب من قناة السويس يُغير بشكل جذري المشهد الاستخباراتي الإقليمي.
وذكرت أن "النمو الذي يقوده القطاع الخاص" الذي يتبناه السيسي ليس إلا تعبيرًا ملطفًا لاستراتيجية البقاء. فمن خلال بيع إدارة المطارات والأصول الصناعية - مثل مصنع سيانيد الصوديوم الذي أُعلن عنه مؤخرًا بقيمة 200 مليون دولار في الإسكندرية - تسعى القاهرة إلى كسب الوقت على حساب استقلالها الاستراتيجي طويل الأمد.
وقالت الصحيفة: "إذا أراد الغرب الحفاظ على نفوذه في مصر، الدولة العربية الأكثر اكتظاظًا بالسكان، فلا يمكنه بعد الآن أن يقف مكتوف الأيدي بينما تقوم جماعات عالمية -كثير منها معادية للمصالح الغربية- بتقسيم الدولة المصرية.
وخلصت إلى أن "بيع مصر" جارٍ على قدم وساق؛ والسؤال الوحيد هو: من سيمسك بزمام الأمور عندما يحين موعد سداد الدين؟
https://blogs.timesofisrael.com/egypt-for-sale-the-privatization-of-national-security/

